النووي
333
تهذيب الأسماء واللغات
تعالى له والثناء عليه وأنواع مكارمه معلومة . وأما الأحاديث الصحيحة في فضله فكثيرة مشهورة ، ففي « الصحيحين » أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يرحم اللّه موسى ، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر » « 1 » . وفي « الصحيحين » عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تخيّروني على موسى ، فإن الناس يصعقون ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانب العرش ، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق ، أم كان ممن استثنى اللّه تعالى » « 2 » . وهذا الحديث متأوّل لأن نبينا عليه السلام أفضل المخلوقين ، فيحتمل أن هذا الكلام قبل أن يعلم أنه أفضل ، فلما علم قال : « أنا سيّد ولد آدم » « 3 » ، ويحتمل أن يكون قاله تواضعا ، ويحتمل أن يكون نهى عن تخيير يؤدي إلى الخصومة والفتنة ، ويحتمل أن النهي عن تخيير يؤدي إلى الإزراء ببعضهم ، ويحتمل : لا تخيروني في نفس النبوة فإنها لا تتفاوت ، وإنما الفضائل بأمور أخرى معها . وهذه الأوجه الخمسة مقولة في قوله : « لا تخيّروا بين الأنبياء » ، وفي « الصحيحين » مثله أو نحوه عن أبي سعيد الخدري « 4 » . وفي « الصحيحين » عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « عرضت عليّ الأمم ، فرأيت سوادا كبيرا سدّ الأفق ، فقيل : هذا موسى في قومه » « 5 » . وفي « الصحيحين » : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مرّ ليلة أسري به على موسى في السماء السادسة ، وأنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين فرض اللّه تعالى عليه وعلى أمته خمسين صلاة كل يوم وليلة : « أما ترجع فتسأل اللّه التّخفيف ؟ » فما زال يقول له حتى جعلها خمسا « 6 » . وفي « الصحيحين » : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصف موسى فقال : « هو آدم طوال جعد ، كأنه من رجال شنؤة » « 7 » ، وفي « الصحيحين » : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين مرّ بوادي الأزرق - وهو موضع بين مكة والمدينة - قال : « كأنّي انظر إلى موسى هابطا من الثّنيّة ، وله جؤار إلى اللّه تعالى بالتّلبية » « 8 » ، وفي رواية : « واضعا إصبعيه في أذنيه ، له جؤار إلى اللّه تعالى بالتلبية » ، وفي رواية : « على جمل أحمر مخطوم بخلبة » ، والخلبة بضم الخاء المعجمة : الليف . قال أبو إسحاق الثعلبي في كتابه « العرائس » : هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت بن لاوي ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان عمر عمران حين توفي مائة وسبعا وثلاثين سنة . قال : قال أهل التاريخ : لما مات الرّيّان بن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3150 ) ومسلم ( 1062 ) من حديث ابن مسعود . ( 2 ) البخاري ( 3408 ) ، ومسلم ( 2373 ) . ( 3 ) هو جزء من حديث الشفاعة أخرجه البخاري ( 3340 ) ومسلم ( 194 ) ، وأخرجه مسلم أيضا ( 2278 ) من حديث أبي هريرة . ( 4 ) البخاري ( 2412 ) ، ومسلم ( 2374 ) . ( 5 ) البخاري ( 2410 ) ومسلم ( 220 ) . ( 6 ) جاء ذلك في حديث الإسراء عند البخاري ( 3887 ) ومسلم ( 164 ) من رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ، وعند مسلم ( 162 ) من رواية أنس بن مالك من مسنده . ( 7 ) أخرجه البخاري ( 3396 ) ، ومسلم ( 165 ) ( 267 ) من حديث ابن عباس . ( 8 ) أخرجه مسلم ( 166 ) بتمامه ، وأخرجه البخاري ( 1555 ) بنحوه ، من حديث ابن عباس .